محمد متولي الشعراوي

1266

تفسير الشعراوي

يوضح المتجه ؛ إنه مصدق لما قبله ولما سبقه ، إنه مصدق للقضايا العقدية الإيمانية التي لا يختلف فيها دين عن دين ؛ لأن الديانات إن اختلفت فإنما تختلف في بعض الأحكام ، فهناك حكم يناسب زمنا وحكم آخر لا يناسب ذلك الزمن . أما العقائد فهي لا تتغير ولا تتبدل ، وكذلك الأخبار وتاريخ الرسل ، فليس في تلك الأمور تغيير . ومعنى « مصدق » أي أن يطابق الخبر الواقع ، وهذا ما نسميه « الصدق » . وإن لم يطابق الخبر الواقع فإننا نسميه « كذبا » . إذن ، فالواقع هو الذي يحكم . ولذلك قلنا من قبل : إن الصادق هو الذي لا تختلف روايته للأحداث ؛ لأنه يستوحى واقعا ، وكلما روى الحادثة فإنه يرويها نفسها بكلماتها وتفاصيلها ، أما الكاذب فلا يوجد له واقع يحكى عنه ، لذلك ينشئ في كل حديث واقعا جديدا ، ولذلك يقول الناس : « إن كنت كذوبا فكن ذكورا » . أي إن كنت تكذب - والعياذ باللّه - فتذكر ما قلت ؛ حتى لا تناقضه بعد ذلك . فالصادق هو من يستقرئ الواقع ، وما دام يروى عن صدق فهو يروى عن أمر ثابت لا تلويه الأهواء ، فلا يحكى مرة بهوى ، ومرة بهوى آخر . وما دام الخبر صادقا فإنه يصبح حقا ؛ لأن الحق هو الشئ الثابت الذي لا يتغير وسبحانه يقول هنا : « نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ، مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ » . وقد تكلمنا من قبل عن التوراة ، وقلنا : إن بعضا من العلماء حين يتعرض للفظ من الألفاظ فهو يحاول أن يجعله من اللغة العربية ، ويحاول أن يعثر له على وزن من الأوزان العربية ، وأن يأتي له بصفة من الصفات العربية ، فقال بعضهم عن التوراة : إنها من « الورى » - بسكون الراء - وكان الناس قديما يشعلون النار بضرب عود في عود آخر ، ويقولون : « الزّند قد ورى » ، أي قد خرجت ناره . وقال بعض العلماء أيضا : إن الإنجيل من « النجل » ، وهو الزيادة . وأقول لهؤلاء العلماء : لقد نظرتم إلى هذه الألفاظ على أنها ألفاظ عربية ، لكن التوراة لفظ عبرى ، والإنجيل لفظ سريانى أو لفظ يوناني ، وصارت تلك الكلمات